instagram

في وداع كاميرتي الصغيرة

حان الأوان لأودع كامياتي الصغيرة Panasonic Lumix و التي استخدمتها بشكل متكرر خلال الخمس سنوات الماضية، كانت رفيقتي في الحل و الترحال و في المنزل و المناسبات، اعتنت بي كما اعتنيت بها، ولكننا وصلنا إلى مرحلة تخطو فيه الحياة بخطى متسارعة، ومعها قد لا تواكب كاميرتي تلك الخطى المتسارعة، فآثرت أن أحيلها إلى التقاعد المبكر لتكون كاميرتي الاحتياطية، بعد قدوم الموظف الجديد Canon 700D والذي سيعمل معي في السنوات القادمة لننتقل سويةً إلى خطوة أكثر احترافية.

على الرغم من حبي للإلكترونيات و الأجهزة المحمولة إلا أن امتلاكي لكاميرا محمولة أتى متأخراً نسبياً حتى فترة دخولي للمدرسة الثانوية و التي فيها بدأنا نحتاج إلى كاميرا نوثق فيها أبحاثنا و مشاريعنا، وعندما امتلكت كاميرا من نوع كوداك كان ذلك شيئاً فريداً، حصلنا عليها بسعر منافس في معرض جيتكس للإلكترونيات الذي كنت أقصده كل سنة، استمرت الكاميرا بالعمل معنا بصورة جبدة لا تشوبها شائبة، حتى انقضى أجل الدراسة في الثانية و أتى عهد الجامعة لأبدأ دراسة الهندسة، و مرة أخرى لم أشعر بالحاجة لوجود الكاميرا، إذ كنت أرى أن الهاتف الذكي كافٍ بما يحمله من تقنيات وكاميرات، ومع قدوم أخي الأصغر للدراسة في السودان معنا أحضر معه تلك اللوميكس الصغيرة و التي استعملتها حتى اليوم…

و هنا بدأت التجارب، اكتشفت قوة الفلاش و ثبات الصور و الدقة العالية، وبدأت أبحث في الانترنت عن النصائح و التعليمات، و تمرنت يدي كيف تمسك الكاميرا، و أصبح عقلي يعرف الإعدادت المناسبة لالتقاط الصور الجيدة، و ما زلت أذكر كيف كان أول يوم لي مع الكاميرا التي أخذتها إلى الجامعة و صورت الطريق ذهاباً و عودةً، بكل التفاصيل من السوق الشعبي حتى جبرة، ومن آخر محطة حتى المنزل، أردت أن أوثق لكل تلك الأماكن و التي بدت لي مهمة وقتها، و الآن أصبحت شاهداً على خيبتي في التقاط شيئ ذا قيمة، لكني مع ذلك كنت عازماً على المواصلة لاستخلاص أقصى طاقات الكاميرا، و معرفة آخر الحدود التي يمكنني الوصول إليها، و كلما أرجع للصور الملتقطة أجد شاهداً على تغير الزمان و المكان والإنسان.

بدأت بتلمس طريقي شيئاً فشيئاً مع التجارب و النصائح التي كنت أجدها على شبكة الانترنت، اكتشفت قدرة كاميرتي على تصوير الأجسام الصغيرة أو ما يعرف بالماكرو، أصبحت معظم صوري تكبيراً لأجسام مصغرة و كأني بذلك أمنحها الأهمية التي تستحقها، أعجبتني التفاصيل في الخشب، أعجبتني مقدرتها على إظهار الزمن، كانت اكتشافاً عظيما لي، لأني أحب الخشب، أحب دفأه و رائحته و ملمسه، أحبه لأنه يذكرني بالكتب و المتعة المتواصلة في العزلة، أحببت تصوير الماكرو أكثر من تصوير الأشخاص لأنني أصبحت أجد مساحتي و حريتي في التصوير دون تذمر، فالجمادات لا تشتكي من رداءة الصور، و ابن آدم له من الصبر حدود و من العظمة ما لا يريد انتقاصه، و لكن لا تحلو الحياة بدون تجارب، ساعدني الإخوة و الأصدقاء بالوقوف أمام الكاميرا لالتقاط صور لهم، بعضهم أعجب و البعض الآخر آثر الصمت.

في الأعوام اللاحقة لامتلاكي للكاميرا سافرت في ربوع السودان، سافرت لأم روابة و الرهد و الأبيض، و أخيراً ود مدني التي أعجبتني كثيراً ربما لأنني سمعت عنها الكثير، أعجبتني  بشوارعها الجميلة و بساطتها و دفئها، و خضرتها و رونقها، التقطت فيها مئات الصور على الرغم من الفترة القليلة التي أمضيتها فيها، صورت كل ما يمكنني تصويره في تلك المدن من بشر وطرق و طعام و ماء، و ما زلت أشعر بالحاجة لمزيد من الصور، فقط لو كان بإمكاني الرجوع بالزمان، لصورت كل ما أقدر على تصويره، لأعود و أ عيش تلك اللحظات مراراً و تكراراً.

تخرجت من الجامعة وبدأت بالعمل كمهندس متدرب في إحدى الشركات، لكن ذلك لم يمنعني من مواصلة اكتشاف مواطن الجمال في الخرسانة والحديد و البلوك، كنت أحمل معي كاميرتي كما أحمل معي هاتفي، أصور كل ما يخطر في البال، أنتقي الزوايا و ألاحق الإضاءة، صورت كل ما يثير الاستغراب و التساؤل، أعجبني غموض المواد الإنشائية، تظهر للرائي عادية من البعد، ولكنها تكبر في التفاصيل و المعلومات عند القرب، و كأنها شخصية قائمة بذاتها، مختلفة عن الخشب الصادق، كأن يد الإنسان حولتها لشيئ قريب من الكمال، و لا كمال في الطبيعة بالتضاريس والإلتواءات و التعرجات، ولكن يظهر كمالها عندما تعمل مجتمعة كوحدة متكاملة والكمال لله وحده.

بدأت بحضور الفعاليات، بدات أكتب عنها و ما دار فيها من أحداث و أفعال، كانت كاميرتي قريبة مني في النهار وبعيدة مني في الليل، كانت تجرني للوراء، وكانت الكتابة تشدني للأمام، أصبحت أعرف كاميرتي أكثر، لا أحرجها فتذهلني بصورها، أقسو عليها قليلاً تنهار أمامي، تظلم الدنيا في وجهها و يرتفع ضجيج بكسلاتها، كل شيء لا أريده فيها يتمثل في صورها، بدأت أخجل منها، و أظهرها على استحياء في حضرة المصورين الكبار أمامي، لا أذكرها بالسلب و لا الإيجاب، أصمت أمامها، و كأني أودعها إلى مكانها الأخير في رف الخزانة مع الأجهزة القديمة و المتعطلة، و لكني أعود و أتذكر أن كاميرا هاتفي ما زالت تتدرب على يد السوء في التصوير، وحساسها الصغير لا يحتمل بهاء الظلام و بهجة الضياء، فأعود لأحملها في حزامي، و هكذا صارت رفيقتي في الحل و الترحال.

الآن مع قدوم الجديد والإثارة والتشويق، لا تحتمل نفسي إلا أن أذكر كاميرتي الصغيرة بالخير، كما يقولون أُذكروا موتاكم بالخير، كاميراتي ليست ميتة، على الرغم من أنها تعرضت للكثير من الأزمات التي كادت تعصف بها، وعلى الرغم من أنها تحتاج إلى طريقة خاصة في الفتح و الإغلاق، إلا أنني تعودت عليها، بميزاتها و مساوئها، و لا حاجة لي بتقاعدها طالما أنها تؤدي رسالتها، لذلك ستنقل خبرتها إلى الجديد و ستستمر بالعمل إلى أن ينقضي أجلها…

2 Comments
  1. أذكر عندما قمت بإلتقاط صور لنا في منتزه الرياض قبل بدء حفل سينما الشباب وما أضحكني عندما قلت :”سأصوركم بكاميرتي هذه الى أن يأتي أصحاب الكاميرات الإحترافية ” ، كنت سابقاً أظن أن الكاميرات الـDigital ذات جودة ضعيفة عند التصوير ولكن عند رؤيتي لصورك تغيرت نظرتي لها .
    بالتوفيق مع كاميرتك الجديدة .

    • شكرا لك يالبراء، لم تحرجني الكاميرا في وقتها تماماً، لكن بالمساء تغيرت الأوضاع، كان أمسية رائعة بالمناسبة، أعتقد أن الكاميرات الصغيرة أصبحت أفضل مما مضى ولكن تظل تحكمها قيود من ناحية العمل بصورة يدوية كاملة أو من ناحية حساسية حساس الصور

Leave Your Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*